النويري
165
نهاية الأرب في فنون الأدب
تدع تحكيم الرجال لأقاتلنّك أطلب وجه اللَّه . فقال على : « بؤسا لك ! ما أشقاك ! كأني بك قتيلا تسفى [ 1 ] عليك الرياح ! » قال : وددت لو كان ذلك ، فخرجا من عنده يحكَّمان . وخطب على رضى اللَّه عنه يوما ، فحكَّمت [ 2 ] المحكَّمة في جوانب المسجد ، فقال علىّ : « اللَّه أكبر ! كلمة حقّ أريد بها باطل [ 3 ] ان سكتوا غممناهم [ 4 ] ، وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم » . فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال : « الحمد للَّه غير مودّع ربنا ولا مستغنى عنه ، اللهم إنّا نعوذ بك من إعطاء الدّنيّة في ديننا ، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر اللَّه وذلّ راجع بأهله إلى سخط اللَّه ، يا علىّ أبالقتل تخوّفنا ؟ أما إني لأرجو أن نضربكم بها عمّا قليل غير مصفحات ، ثم لتعلم أيّنا أولى بها صليّا » . ثم خرج هو وإخوة له ثلاثة ، فأصيبوا مع الخوارج بالنّهروان ، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنّخيلة . ثم خطب علىّ رضى اللَّه عنه يوما آخر ، فقام رجل فقال : لا حكم إلا للَّه ، ثم توالى عدّة رجال يحكَّمون ، فقال علىّ : « اللَّه أكبر كلمة حق أريد بها باطل ، أما إنّ لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا : لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فيها اسمه ، ولا نمنعكم الفىء
--> [ 1 ] سفت الريح التراب تسفيه : ذرته أو حملته . [ 2 ] أي قالوا : « لا حكم إلا اللَّه » . [ 3 ] جاء في نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 214 : ومن كلام له عليه السلام في الخوارج لما سمع قولهم « لا حكم إلا اللَّه » قوله عليه السلام : كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا للَّه ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا للَّه ، وإنه لا بد الناس من أمير بر أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر . . . وفى رواية أخرى أنه عليه السلام لما سمع تحكيمهم قال : حكم اللَّه أنتظر فيكم ! . [ 4 ] غممناهم : غطيناهم وسترناهم ، وفى ( ك ) : « عممناهم » .